الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
38
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
المسلمون حرمة لتلك العهود . ويجوز أن يكون الاستفهام تقريريا ، وهو ظاهر ما حمله عليه صاحب « الكشّاف » ، تقريرا على النفي تنزيلا لهم منزلة من ترك القتال فاستوجب طلب إقراره بتركه ، قال في « الكشاف » : ومعناه الحضّ على القتال على سبيل المبالغة ، وفي « مغني اللبيب » أن أَ لا التي للاستفهام عن النفي تختصّ بالدخول على الجملة الاسمية ، وسلّمه شارحاه ، ولا يخفى أنّ كلام « الكشاف » ينادي على خلافه . وعلى الاحتمال الثاني أن يكون أَ لا حرفا واحدا للتحضيض فهو تحضيض على القتال . وجعل في « المغني » هذه الآية مثالا لهذا الاستعمال على طريقة المبالغة في التحذير ولعلّ موجب هذا التفنّن في التحذير من التهاون بقتالهم مع بيان استحقاقهم إياه : أن كثيرا من المسلمين كانوا قد فرحوا بالنصر يوم فتح مكة ومالوا إلى اجتناء ثمرة السلم ، بالإقبال على إصلاح أحوالهم وأموالهم ، فلذلك لمّا أمروا بقتال هؤلاء المشركين كانوا مظنّة التثاقل عنه خشية الهزيمة ، بعد أن فازوا بسمعة النصر ، وفي قوله عقبه أَ تَخْشَوْنَهُمْ ما يزيد هذا وضوحا . أمّا نكثهم أيمانهم فظاهر مما تقدّم عند قوله تعالى : إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [ التوبة : 4 ] - وقوله - إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ [ التوبة : 4 ] الآية . وذلك نكثهم عهد الحديبية إذ أعانوا بني بكر على خزاعة وكانت خزاعة من جانب عهد المسلمين كما تقدّم . وأمّا همّهم بإخراج الرسول فظاهره أنّه همّ حصل مع نكث أيمانهم وأن المراد إخراج الرسول من المدينة ، أي نفيه عنها لأن إخراجه من مكّة أمر قد مضى منذ سنين ، ولأنّ إلجاءه إلى القتال لا يعرف إطلاق الإخراج عليه فالظاهر أنّ همّهم هذا أضمروه في أنفسهم وعلمه اللّه تعالى ونبّه المسلمين إليه . وهو أنّهم لمّا نكثوا العهد طمعوا في إعادة القتال وتوهّموا أنفسهم منصورين وأنّهم إن انتصروا أخرجوا الرسول - عليه الصلاة والسلام - من المدينة . و ( الهم ) هو العزم على فعل شيء ، سواء فعله أم انصرف عنه . ومؤاخذتهم في هذه الآية على مجرّد الهمّ بإخراج الرسول تدلّ على أنّهم لم يخرجوه ، وإلّا لكان الأجدر أن ينعى عليهم الإخراج لا الهمّ به ، كما في قوله : إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا [ التوبة : 40 ] وتدلّ على أنّهم لم يرجعوا عمّا همّوا به إلّا لما حيل بينهم وبين تنفيذه ، فعن الحسن : همّوا بإخراج الرسول من المدينة حين غزوة في أحد وحين غزوا غزوة الأحزاب ، أي فكفاه اللّه